المساعد في دروس الفلسفة للقسم السابع من شعبة الآداب العصرية (موريتانيا) ـ العلمية

   الوحدة الرابعة: العلوم الإنسانية

الدرس: العلمية


إشكالية العمية في العلموم الإنسانية:

لفهم إشكالية العلمية في العلوم الإنسانية، من الضروري أن نبدأ بفهم مفهوم العلم بشكل عام. فالعلم هو منهج منظم ومجموعة من المعارف التي يتم الحصول عليها من خلال الملاحظة والتجريب والتحليل العقلاني، بهدف فهم الظواهر وتفسيرها والتنبؤ بها. يعتمد العلم على الموضوعية، وإمكانية التحقق من النتائج، والتراكم المعرفي. لطالما ارتبطت "العلمية" بالعلوم الطبيعية التي حققت نجاحات باهرة في الكشف عن قوانين الكون والتنبؤ بالظواهر، وذلك بفضل قدرتها على التجريب والقياس الدقيق.

ومع ظهور العلوم الإنسانية، التي تدرس الإنسان وسلوكه ومجتمعاته وثقافاته، برزت تساؤلات جدية حول مدى إمكانية تطبيق المنهج العلمي الصارم عليها. فالإنسان كائن معقد ومتغير، يخضع لدوافع ومشاعر وقيم تختلف من فرد لآخر ومن مجتمع لآخر، مما يجعل دراسته بمنهج كمي وموضوعي محض أمراً بالغ الصعوبة. على عكس الظواهر الطبيعية التي يمكن التحكم في متغيراتها وتكرار تجاربها، فإن الظواهر الإنسانية تتميز بالتفرد والذاتية والتعقيد. على سبيل المثال، كيف يمكن قياس مفهوم مثل "السعادة" أو "الحب" بمقاييس دقيقة؟ وكيف يمكن تفسير سلوك جماعي معقد دون الأخذ في الاعتبار السياقات الثقافية والتاريخية؟

تتمثل الإشكالية الأساسية في التوفيق بين طبيعة الظاهرة الإنسانية المعقدة ومتطلبات المنهج العلمي المتمثلة في الموضوعية والقياس والتجريب. فبعض الاتجاهات في العلوم الإنسانية سعت إلى محاكاة العلوم الطبيعية، محاولةً إيجاد قوانين عامة تفسر السلوك البشري، بينما ذهبت اتجاهات أخرى إلى التأكيد على خصوصية الظاهرة الإنسانية، داعيةً إلى تبني مناهج نوعية تفهم الظاهرة من داخلها، مثل المنهج التأويلي أو الفهمي. هذا التباين في المناهج والأهداف أدى إلى جدل مستمر حول "علمية" العلوم الإنسانية. فهل هي علوم بالمعنى الدقيق للكلمة، أم هي أشكال أخرى من المعرفة لا تخضع لنفس معايير العلوم الطبيعية؟ وهل الهدف من العلوم الإنسانية هو التفسير والتنبؤ، أم الفهم والتأويل؟ هل يمكن تحقيق الموضوعية الكاملة في دراسة الإنسان، أم أن الذاتية متأصلة في أي محاولة لفهم الظاهرة الإنسانية؟ هل ينبغي أن تسعى العلوم الإنسانية إلى صياغة قوانين عامة، أم أن التركيز يجب أن يكون على فهم الحالات الفردية والخصوصيات الثقافية؟ ما هي المعايير التي يمكن أن نستخدمها للحكم على "علمية" البحث في العلوم الإنسانية؟ هل يمكن تطوير منهج علمي خاص بالعلوم الإنسانية يختلف عن منهج العلوم الطبيعية، مع الحفاظ على الصرامة والدقة المعرفية؟


آراء وأفكار حول العلمية في العلوم الإنسانية:

 أولًا: الرافضون لعلمية العلوم الإنسانية:

فيلهلم ديلتاي: يرى أن العلوم الإنسانية تختلف جوهريًا عن العلوم الطبيعية.

يميز بين التفسير (في العلوم الطبيعية) والفهم (في العلوم الإنسانية).

يعتبر أن موضوع العلوم الإنسانية هو الخبرة البشرية والمعنى، وهو أمر لا يمكن قياسه تجريبيًا.

مارتن هايدغر: رفض فكرة تحويل الإنسان إلى "موضوع علمي" يُحلل كما تُحلل الأشياء.

يركز على الوجود الإنساني (الدازاين) بوصفه تجربة معاشة لا يمكن فصلها عن الذات.

يعتبر أن العلوم الإنسانية تفقد جوهرها إذا حاولت تقليد العلوم الطبيعية.

تشارلز تايلور: من أبرز المدافعين عن الطابع التأويلي للعلوم الإنسانية.

يرى أن الإنسان كائن يفهم نفسه عبر المعاني، وهذه المعاني لا يمكن إخضاعها للقياس العلمي.

يرفض النماذج التفسيرية الميكانيكية لأنها تتجاهل السياق الثقافي والتاريخي.

 ثانيًا: المدافعون عن علمية العلوم الإنسانية:

إميل دوركايم: يرى أن الظواهر الاجتماعية يمكن دراستها كـ"أشياء".

يرى أن العلوم الإنسانية قادرة على أن تكون علمية إذا استخدمت منهجًا صارمًا.

دعا إلى دراسة "الوقائع الاجتماعية" بطريقة موضوعية مستقلة عن رأي الباحث.

كارل بوبر: رغم انتقاده للتفسير التاريخي الحتمي، إلا أنه لم يرفض علمية العلوم الإنسانية، ولذا فقد دعا إلى إخضاع الفرضيات الإنسانية لمبدأ القابلية للدحض.

يرى بإمكانية تطوير نظريات علمية في مجال التاريخ والمجتمع إذا رُوعيت معايير المنهج العلمي.

ماكس فيبر: حاول بناء جسر بين التفسير والفهم، مؤكدًا أن العلوم الإنسانية يمكن أن تكون علمية بشرط الاعتراف بطبيعتها الخاصة.

أدخل مفهوم "النماذج المثالية" لفهم الظواهر الاجتماعية.

شدد على ضرورة الموضوعية والانفصال عن القيم في البحث العلمي.


استشهادات فلسفية حول علمية العلوم الإنسانية:

  • آرثر شوبنهاور: "إن التاريخ فن وليس علم"
  • محمد عابد الجابري: "إن من أهم شروط الموضوعية هو أن تكون أحكامنا نابعة من الواقع كما هو، وأن يكون الواقع مستقلاً عن ذاتيتنا، ولكي تكون الدراسة موضوعية يجب أن يتوفر فيها الاتفاق بين مختلف الملاحظين على نفس الحكم... ولكن هذه الشروط لا تتوفر في الظاهرة الإنسانية عند محاولة البحث فيها، إذ أن ملاحظات وأحكام الدارس تتأثر بانتماءاته، وثقافته وتربيته، ومزاجه وتصوراته الخاصة، إضافة إلى كونه غير منفصل عن الظاهرة التي يدرسها"
  • غوبلو: "لا علم بدون قياس" (يشير إلى أن العلوم الإنسانية تعاني من صعوبة في القياس الكمي الدقيق للظواهر الإنسانية، وهو ما يعد ركيزة أساسية في العلوم الطبيعية).
  • أوجست كونت (في سياق نقده لعلم النفس في بداياته) : "لا يمكن للعقل أن يفكر ويلاحظ تفكيره"
  • جون واطسون (في علم النفس السلوكي): "إن علم النفس كما يراه السلوكي فرع تجريبي علمي، هدفه التنبؤ بالسلوك وضبطه"

·         أوغست كونت: "إن علم الاجتماع، بوصفه فرعًا من فروع المعرفة البشرية، يجب أن يرتكز على الملاحظة والتجريب، وأن يتبع نفس المبادئ التي يقوم عليها علم الفيزياء أو علم الكيمياء."

·         إميل دوركهايم: "إن القواعد الاجتماعية يجب أن تُعامل كأشياء."

·         سكينر (أحد أبرز رواد المدرسة السلوكية في علم النفس): "إن السلوك البشري يمكن فهمه وتفسيره من خلال تحليل العلاقات بين الكائن الحي وبيئته، ولا يختلف عن أي ظاهرة طبيعية أخرى في قابليته للدراسة العلمية."


تحديد المفاهيم:

المفهوم المركزي: العلمية (صفة للمعرفة تجعلها أكثر دقة وموضوعية ويقينية)

المفاهيم المجاورة:

1-      الخصائص (جمع خاصية وهي صفة ملازمة لشيء، ومميزة له من غيره)

2-      العوائق (مفردها عائق: المنع والصرف عن القيام بأمر ما)

3-      النموذج (تمثل كائن ما يوجد في الواقع)


توظيف المفاهيم في سياقات مختلفة:

1-    مفهوم العلمية:

السياق الديني: العلمية تُواجه في السياق الديني بتساؤلات حول مدى توافق المنهج العلمي مع المعتقدات الغيبية.

السياق الثقافي: تختلف نظرة المجتمعات إلى العلمية بحسب الثقافة؛ فبعضها يُمجّد العقلانية، وأخرى تُفضّل الموروث.

السياق الطبيعي: العلمية تُمثل الأساس في فهم الظواهر الطبيعية وتفسيرها بشكل تجريبي ومنهجي.

2-      مفهوم الخصائص:

السياق الديني: يمتاز الخطاب الديني بخصائص كاليقين والثبات، بخلاف العلم الذي يقبل التعديل والنقد.

السياق الثقافي:  لكل ثقافة خصائصها الفريدة من عادات وقيم تؤثر على تقبّل أو رفض الأفكار العلمية.

السياق الطبيعي: الخصائص الفيزيائية أو الكيميائية تُستخدم لتصنيف وتفسير الظواهر الطبيعية بدقة.

3-    مفهوام العوائق:

السياق الديني: قد تُشكّل بعض التأويلات الدينية عائقًا أمام قبول بعض النظريات العلمية.

السياق الثقافي: العادات والتقاليد قد تُعيق التقدم العلمي بسبب الخوف من التغيير أو التمسك بالموروث.

السياق الطبيعي: في الطبيعة، عوائق مثل تعقيد الظواهر أو محدودية الأدوات تؤخّر الفهم العلمي.

4-    النموذج:

السياق الديني: يُعدّ النبي أو القديس نموذجًا يُحتذى به في الأخلاق والإيمان.

السياق الثقافي: تُقدّم الشخصيات الثقافية أو الرموز الاجتماعية نموذجًا لهوية المجتمع.

السياق الطبيعي: النموذج العلمي يُستخدم لتفسير الظواهر (مثل: نموذج الذرّة أو النموذج المناخي).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المساعد في دروس الفلسفة للقسم السابع من شعبة الآداب العصرية (موريتانيا) ـ الإنسان

المساعد في دروس الفلسفة للقسم السابع من شعبة الآداب العصرية (موريتانيا) ـ العالم

المساعد في دروس الفلسفة للقسم السابع من شعبة الآداب العصرية (موريتانيا) ـ المنهج