نظريات نشأة اللغى - نظرية المواضعة.

 مقدمة عن نظرية المواضعة في نشأة اللغة

تعتبر نظرية المواضعة من أقدم النظريات التي تناولت نشأة اللغة وتطورها، فقد ظهرت هذه النظرية منذ العصر اليوناني.

إن نظرية المواضعة في اللغة، والمعروفة أيضًا بنظرية الاصطلاح أو التواضع، هي إحدى أهم النظريات المفسرة  لنشأة اللغة وتطورها. والفكرة التي تقوم عليها هذه النظرية هي: أن اللغة ليست فطرية أو موروثة، بل هي نتاج اتفاق وتواضع بين أفراد المجتمع.

ويمكن أن نقول إن هذه النظرية تقوم على الآتي:

أولا: اللغة اصطلاحية: أي أن الكلمات والرموز في اللغة لا تحمل معنى ذاتيًا، بل تكتسب معناها من خلال ما تم الاتفاق والاصطلاح عليه بين الناس الذين يستخدمونها.

ثانيا: التواضع الاجتماعي: إن اللغة من هذا المنطلق تنشأ وتتطور نتيجة لحاجة الناس للتواصل والتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم. ولذا فهم يتفقون على رموز معينة لتمثيل الأشياء والأفكار، وبذلك تصبح هذه الرموز جزء من اللغة.

ثالثا: التغير اللغوي: ليست اللغة ثابتة، بل إنها تتغير وتتطور باستمرار نتيجة لتغير احتياجات المجتمع وتفاعلاته. وبذلك تظهر الكلمات الجديدة، أما الكلمات القديمة قد تفقد معناها أو تستبدل بكلمات أخرى.

من أدلة نظرية المواضعة

في إطار أدلة نظرية المواضعة، يرجع أصحاب هذه النظرية إلى أدلة منها:

1- تنوع اللغات: يرى أصحاب هذه النظرية أن وجود آلاف اللغات المختلفة في العالم يشير إلى أن اللغة ليست فطرية، بل هي نتاج ثقافي واجتماعي.

2- الكلمات الجديدة: إن ظهور كلمات جديدة باستمرار في اللغة يدل على أن اللغة تتطور وتتكيف مع احتياجات المستخدمين.

3- الاختلافات اللهجية: إن وجود لهجات مختلفة للغة الواحدة يشير إلى أن اللغة تتغير وتتنوع داخل المجتمعات المختلفة.

أبرز القائلين بنظرية المواضعة:

من أبرز القائلين بنظرية المواضعة في اللغة:

أولا: الفيلسوف اليوناني ديموقريطس: على خلاف ما كان سائدا في العهد اليوناني القديم من أن اللغة ترجع إلى أصل إلهي، ذهب ديموقريطس إلى أن اللغة ليست فطرية، وإنما هي نتاج اتفاق واصطلاح بين الناس، ولأنه من أوائل القائلين بهذا التصور فقد اعتبرت فكرته هذه أساسا لنظرية الاصطلاح في نشأة اللغة.

وفي الحقيقة لم يخلف ديموقريطس كتبا تذكر لكن تم تجميع آرائه - بما في ذلك آراءه حول اللغة - من خلال كتب لآخرين مثل كتاب اكراتيلوس لأفلاطون وكتاب "حياة وآراء الفلاسفة البارزين" لديوجين لايرتيوس بالإضافة إلى أعمال أخرى.

ثانيا: الفيلسوف الإنجليزي جون لوك: هو أحد أبرز الفلاسفة الذين نادوا بنظرية المواضعة في العصر الحديث، حيث أكد في كتابه "مقال في الفهم البشري" على أن اللغة هي أداة اصطناعية للتواصل والتعبير عن الأفكار، ولذلك فالكلمات في نظره هي علامات اعتباطية تستخدم لتمثيل الأفكار والمفاهيم في أذهاننا، ولا يوجد ارتباط طبيعي أو ضروري ـ في نظره ـ بين الكلمة والشيء الذي تمثله.

ويؤكد لوك على أهمية التجربة الحسية في تكوين الأفكار التي تعبر عنها اللغة. فالتجربة الحسية هي المصدر الأساسي للمعرفة، وبالتالي هي المصدر الأساسي للأفكار التي تمثلها الكلمات، وبناء على ذلك يرفض لوك فكرة الأفكار الفطرية، ويؤكد على أن العقل يولد صفحة بيضاء، وأن المعرفة تتكون من خلال التجربة الحسية. وهذا ينطبق أيضًا على اللغة، التي يرى أنها ليست فطرية بل مكتسبة.

ثالثا: أبو نصر الفارابي: (الملقب بالمعلم الثاني)

يرى الفارابي في كتابه "الحروف" أن اللغة نشأت عن طريق "المواضعة"، أي الاتفاق والاصطلاح بين أفراد المجتمع.

ولذلك فهو يعتبر أن الألفاظ ليست لها علاقة ذاتية أو طبيعية بالمعاني التي تدل عليها، بل هي رموز اصطلاحية تم الاتفاق عليها بين أفراد المجتمع، وهذا يعني أن أي لفظ يمكن أن يدل على أي معنى، ولكن الاتفاق الاجتماعي هو الذي يتم عن طريقه اختيار الألفاظ المعينة لتدل على معانٍ محددة. ونتيجة للدور الحاسم للمجتمع فإن اللغة تنشأ وتتطور داخله من خلال التفاعل والتواصل بين أفراده، وذلك لأن الحاجة إلى التواصل والتعبير عن الأفكار والمشاعر هي التي دفعت الإنسان إلى ابتكار اللغة.

ويعتقد الفارابي أن اللغة ليست ثابتة، بل تتطور وتتغير مع مرور الزمن، حيث يمكن أن تتغير الألفاظ أو تظهر ألفاظ جديدة تكون دالة على معانٍ مستحدثة.

وبناء على ما سبق من رأي لأبي نصر الفارابي يكون تعريفه لعم اللغة واردا: "إن علم اللغة هو علم الألفاظ الدالة عند كل أمة على قوانين تلك الألفاظ".

رابعا: عبد القاهر الجرجاني

تناول الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز موضوع اللغة والبلاغة من منظور فلسفي ومعرفي عميق، فتوصل إلى أن اللغة ليست مجرد كلمات جامدة، بل هي وسيلة لتوصيل المعاني التي تمثل الحقائق المعينة في الواقع الذي يهم الإنسان، ولذا فإن هذه المعاني هي نتاج اتفاق جماعي بين المتحدثين.

وبالتالي فإن كل كلمة أو تعبير يحمل معنىً، لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال ناتجًا عن علاقة طبيعية بين الكلمة والشيء المسمى، بل هو ناتج عن توافق اجتماعي وثقافي بين الأفراد، كما أشرنا. هذا التوافق يتم عبر الزمن ويعتمد على التقاليد اللغوية والذهنية المشتركة بين الناس. فمثلاً، لا ترتبط كلمة "جبل" طبيعيا بذات الكائن الصخري المرتفع، ولكننا نتفق جميعًا على أن الكلمة تمثل ذلك الكائن.

وبناء على ما سبق فقد أشار الجرجاني أيضًا إلى أن البلاغة في اللغة تكمن في كيفية استخدام هذه الكلمات والتلاعب بالمعاني لتأثير أقوى وأدق. بمعنى آخر، أن قدرة المتكلم على استخدام الكلمات بلاغيًا تكمن في قدرته على التحكم في المعاني والتجريدات اللغوية بطريقة تشبع العقول والمشاعر في نفس الوقت.

لذلك، فالمفاهيم اللغوية عند الجرجاني ترتبط بعلاقة وثيقة بين الاتفاقات الاجتماعية والذهنية، وهي تتيح للفرد التأثير في المستمعين بطرق متعددة عن طريق الدقة البلاغية واللغة المثيرة للتفكير.


 الموضوع في اليوتيوب 👇👇👇


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المساعد في دروس الفلسفة للقسم السابع من شعبة الآداب العصرية (موريتانيا) ـ الإنسان

المساعد في دروس الفلسفة للقسم السابع من شعبة الآداب العصرية (موريتانيا) ـ العالم

المساعد في دروس الفلسفة للقسم السابع من شعبة الآداب العصرية (موريتانيا) ـ المنهج